تفاصيل الكتاب
تتجلى أهمية هذة الدراسة ومبررات اختيارها في إطار العجز المتزايد للنظريات السوسيولوجية الكلاسيكية عن تفسير ظواهر التعصب السياسي الراديكالي والتبعية الطوعية التي لا تخضع لمنطق المصلحة الواعية، إن المسوغ الأساسي وراء هذا التقصي هو ضرورة صياغة إطار تحليلي جديد يفهم السياسة كعملية بيولوجية مستمرة، لاسيما في ظل تسارع آليات الاستقطاب الذهني والاستثارة العاطفية الممنهجة التي تمارسها الادوات الرقمية والمنظومات العقائدية، وتنبثق إشكالية الدراسة من تساؤل جوهري حول مدى قدرة الفرد على الاحتفاظ بالاستقلال العقلي والمعرفي في بيئة سياسية مصممة لاستثارة الدوائر العصبية، إذ يحاول البحث تفكيك الجدلية القائمة بين الاستجابة الهرمونية (كإفرازات الكورتيزول والتستوستيرون) وبين القرار السياسي، لاستيضاح كيف يتم توظيف كيمياء الانتماء لتعميق الفجوات المجتمعية وتكريس ثنائية (نحن/هم) كحتمية بيولوجية لا كموقف فكري.
إن ما تطرحه هذه الدراسة يتجاوز مجرد تحليل السلوك، ليمتد إلى مفهوم السيادة العصبية.. وفي ظل التطور التقني لم تعد السيادة تقتصر على الحدود الجغرافية أو المؤسسات الدستورية، بل انتقلت ممارسة السلطة من السيطرة على المؤسسات والقوانين إلى التحكم المباشر في كيمياء الدماغ، فالشعوب اليوم تواجه نوع من الاستلاب يتم فيه التلاعب بالجزيئات الحيوية لتوجيه سلوكها وتفكيرها، حيث تستثار اللوزة الدماغية بشكل مباشر عبر خوارزميات الانتباه في وسائل التواصل الاجتماعي، هذا الأمر ينقل الفرد من دور المشارك السياسي الفاعل إلى دور المستجيب للانفعالات تجاه بيئة تهدف الى ابقاءه في حالة من التحفز العصبوي الدائم، مما يبرر فشل العقلانية في بناء جسور التواصل وسط التجاذبات الحادة.
وتتبنى الدراسة فرضية جوهرية مفادها أن الاستقرار السياسي في النظم الحديثة، لاسيما في البيئات القلقة، لا يتحقق عبر الإقناع العقلي بقدر ما يتم عبر الضبط العصبي لمنظومات المكافأة والخوف، حيث تعمل السلطة والخطاب الإعلامي مؤثرات بيوعصبية تتلاعب بمستويات الدوبامين لضخ الأمل، أو الأوكسيتوسين لايجاد ولاءات قطيعية، مما يجعل من الانقسام الاجتماعي أداة وظيفية لإعادة إنتاج الهيمنة.
السيادة العصبية: مصطلح يشير إلى انتقال موقع السيادة من الحيز الجغرافي والمؤسساتي إلى الحيز المجهري للجهاز العصبي البشري، يعبر المفهوم عن قدرة السلطة على اختراق الاستقلال المعرفي للفرد عبر التلاعب المباشر بمسارات الدماغ الانفعالية، فلا تعود السيادة مجرد فرض للقوانين، بل تصبح حقاً حصرياً في إدارة الانتباه، وتوجيه المسارات الكيميائية (كالدوبامين والكورتيزول)، وهندسة الاستجابات السلوكية للجماهير، مما يجعل الدماغ الساحة السيادية الأخيرة والأساسية للصراع في الوقت الراهن. ينظر


